الشوكاني

105

فتح القدير

كما في قوله - والنجم والشجر يسجدان - قاله الأخفش . وقيل النجم محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وقيل النجم القرآن ، وسمى نجما لكونه نزل منجما مفرقا ، والعرب تسمى التفريق تنجيما ، والمفرق : المنجم ، وبه قال مجاهد والفراء وغيرهما ، والأول أولى . قال الحسن : المراد بالنجم النجوم إذا سقطت يوم القيامة . وقيل المراد بها النجوم التي ترجم بها الشياطين ، ومعنى هويه : سقوطه من علو ، يقال هوى النجم يهوي هويا : إذا سقط من علو إلى صقل ، وقيل غروبه ، وقيل طلوعه ، والأول أولى ، وبه قال الأصمعي وغيره ، ومنه قول زهير : تسيح بها الأباعر وهي تهوي * هوى الدلو أسلمها الرشاء ويقال هوى في السير : إذا مضى ، ومنه قول الشاعر : بينما نحن بالبلاكث فالقاع * سراعا والعيس تهوى هويا خطرت خطرة على القلب من ذكراك * وهنا فما استعطت مضيا ومعنى الهوى على قول من فسر النجم بالقرآن : أنه نزل من أعلا إلى أسفل ، وأما على قول من قال إنه الشجر الذي لا ساق له ، أو أنه محمد صلى الله عليه وآله وسلم فلا يظهر للهوي معنى صحيح ، والعامل في الظرف فعل القسم المقدر ، وجواب القسم قوله ( ما ضل صاحبكم وما غوى ) أي ما ضل محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن الحق والهدى ولا عدل عنه ، والغي : ضد الرشد ، أي ما صار غاويا ، ولا تكلم بالباطل ، وفيل ما خاب فيما طلب ، والغي : الخيبة ، ومنه قول الشاعر : فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره * ومن يغو لا يعدم على الغي لائما وفي قوله ( صاحبكم ) إشارة بأنهم المطلعون على حقيقة حاله ، والخطاب لقريش ( وما ينطق عن الهوى ) أي ما يصدر نطقه عن الهوى لا بالقرآن ولا بغيره ، فعن على بابها . وقال أبو عبيدة : إن عن بمعنى الباء : أي بالهوي . قال قتادة : أي ما ينطق بالقراءة عن هواه ( إن هو إلا وحي يوحى ) أي ما هو الذي ينطق به إلا وحي من الله يوحيه إليه . وقوله ( يوحي ) صفة لوحي تفيد الاستمرار التجددي ، وتفيد نفي المجاز : أي هو وحي حقيقة لا لمجرد التسمية ( علمه شديد القوى ) القوى جمع قوة ، والمعنى : أنه علمه جبريل الذي ، هو شديد قواه هكذا قال أكثر المفسرين إن المراد جبريل . وقال الحسن : هو الله عز وجل ، والأول أولى وهو من باب إضافة الصفة إلى الموصوف ( ذو مرة فاستوى ) المرة : القوة والشدة في الخلق ، وقيل ذو صحة جسم وسلامة من الآفات ، ومنه قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم " لا تحل الصدقة لغني ، ولا لذي مرة سوى " . وقيل ذو حصافة عقل ومتانة رأى . قال قطرب : العرب تقول لكل من هو جزل الرأي حصيف العقل ذو مرة ، ومنه قول الشاعر : قد كنت قبل لقائكم ذا مرة * عندي لكل مخاصم ميزانه والتفسير للمرة بهذا أولى ، لأن القوة والشدة قد أفادها قوله ( شديد القوى ) قال الجوهري : المرة إحدى الطبائع الأربع ، والمرة : القوة وشدة العقل ، والفاء في قوله ( فاستوى ) للعطف على علمه ، يعني جبريل : أي ارتفع وعاد إلى مكانه في السماء بعد أن علم محمدا صلى الله عليه وآله وسلم ، قاله سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير ، وقيل معنى استوى قام في صورته التي خلقه الله عليها لأنه كان يأتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم في صورة الآدميين ، وقيل : المعنى فاستوى القرآن في صدره صلى الله عليه وآله وسلم . وقال الحسن : فاستوى يعني الله عز وجل على العرش ( وهو بالأفق الأعلى ) هذه الجملة في محل نصب على الحال : أي فاستوى جبريل حال كونه